 اخبار السعيدة - القاهرة - حوار - عبد النبي عبد السلام التاريخ : 04-04-2009
وُلد الشاعر الدكتور محمد أبو الفضل بدران في قرية العُوَيْضَات مركز قِفْط بمحافظة قنا بجمهورية مصر العربية ، وأتم التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بها ؛ ثم التحق بكلية الآداب بجامعة أسيوط وحصل على ليسانس الآداب الممتازة في مايو 1981. ثم التحق بالخدمة العسكرية حتى 1983 وعين مُعيدا بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب بقنا ( جامعة أسيوط ) وأتم دراسته لنيل درجة الماجستير بكلية الآداب بسوهاج حيث حصل على درجة الماجستير في 1985 بتقدير ممتاز وكان موضوع أطروحته ( دور الشعراء في تطور النقد الأدبي) .
عمل مدرسا مساعدا بكلية الآداب بقنا حيث بدأ التحضير لنيل درجة الدكتوراه حول موضوع (قضايا النقد والبلاغة في تراث أبي العلاء المعري) وسافر إلى ألمانيا في بعثة علمية للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة بون بالاشتراك مع جامعة أسيوط حيث حصل على الدكتوراه عام 1990 ثم عمل بجامعة جنوب الوادي بمصر وجامعة Bochum بألمانيا ثم فاز بجائزة مؤسسة Humboldt همبولت العالمية حيث ظل من 1994 حتى 1996 أستاذا زائرا بكلية الآداب بجامعة Bonn بون بألمانيا ، ثم عاد إلى مصر حيث رقى إلى درجة أستاذ مساعد وشغل وظيفة رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب(جامعة جنوب الوادي بقنا) ثم شغل وظيفة وكيل الكلية وفي عام 1998 أعير للعمل بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات العربية المتحدة حتى 2006، وقد رُقي إلى درجة أستاذ النقد الأدبي منذ 2004. ومنذ 2006 عين عميداً لكلية الآداب بقنا جامعة جنوب الوادي.
أشرف على العديد من الرسائل العلمية لنيل الماجستير والدكتوراه وقد نشر ديوانين شعريين هما ( النوارس تحكي غربتها ) و( ديوان بدران ) وله عدد من المؤلفات الهامة مثل ( أدبيات الكرامة الصوفية ) ،(قضايا النقد والبلاغة في تراث أبي العلاء المعري ) وغيرها وعدة قصائد بالعربية والألمانية نُشرت بالصحف والمجلات العربية والألمانية؛وكُتبت دراسات وأبحاث ومقالات حول شعره وأمسياته الشعرية بالدول العربية وألمانيا. لذلك كان لابد أن نكون معه لننهل من علمه وينالنا دفء إبداعه الذي تحسه في لقاء حميم جمعنا معه حيث ابتسامته المضيئة وبشاشته الرحبة والى نص الحوار...
• إن المتتبع لتاريخ الأستاذ الدكتور محمد أبو الفضل بدران الأكاديمي يجد تفوقا أدبيا وعلميا ملحوظا ... حدثنا عن بداية التحاقك بالجامعة ، وكيف اخترت قسم اللغة العربية لتدرس به ؟
كنت أكتب الشعر وأنا بالمرحلة الثانوية ، ولكنه لم يكن شعرًا بالمعنى المعروف .. كانت محاولات البداية حيث قرأت أشعار بن الفارض وفهمتها فهما خاصًا ، لذلك لم أتردد في اختيار قسم اللغة العربية فيما بعد لأدرس به.
• القارئ لإبداعك الشعري يعرف أنك تكتب القصيدة الفصحى بأشكالها المختلفة ، وتكتب أيضا القصيدة العامية .. أي أشكال القصيدة الفصحى تعتقد جدواه وأهميته وقدرته على الإمساك باللحظة الشاعرة ؟
عندي ، لا يوجد شكل للشعر والإبداع فهو إحساس وثورة في المتلقي يفجرها الشعر ويثير بركان المتلقي بغض النظر عن الشكل .
• يقول الكاتب الراحل أمين الخولي أن أول الجديد قتل القديم بحثا .. وهو ما يتجلى في إبداعك الشعري حيث التوظيف الدائم لتراثنا الاجتماعي والديني والتاريخي ..ترى كيف يكون الاتكاء على التراث مدعاة لأدب جديد ومغاير ؟
نحن لم نقرأ تراثنا بعد ولم نبحثه بالشكل الكافي ذلك لأننا نجهله ، فما زال تراثنا خبيئة لما تكشف بعد . لقد بدأنا نهتم بالتراث بعد أن أشار إليه المستشرقون !! لذلك ما أفعله هو سعي في هذا الاتجاه ، أي اكتشاف تراثنا شعريا ما دام البحث يعجز عن ذلك !
• الناقد بداخلكم .. هل يقيد حريتكم في الكتابة ؟
هو صراع خفي بين طرفين حينما يتلاشى أحدهما ، يظهر الآخر ليعبر عن نفسه . وحينما تتشظى الذات إلى ذوات شتى يوجد الإبداع .
• هناك من يرون أن النقد بات عاجزا عن مواكبة النتاج الأدبي الجديد وما يكتبه الشباب .. كيف ترى الأمر؟
في مؤتمر النقد الدولي وفي جلسته الافتتاحية قلت أن لدينا نقاد وليس لدينا نقد بسبب عدم الالتحام مع الكتابات الجديدة والشابة كذلك عدم وجود مساحات لنشر الرؤى النقدية في الصحف والجرائد.لذلك تقف المجلات الجامعية وحدها في هذا الاتجاه علما بأنها لا تباع في الأسواق. وهو ما يعني أنها مجلة النخبة ولا يقرأها إلا كتابها ، فالنقاد يكتبون للنقاد .
• مصر والإمارات وألمانيا ثلاث ثقافات متباينة .. عشتها والتحمت بها ، ماذا شكل لك هذا المزج الحضاري وكيف استفدت منه شعريا وهل كان كتاب ( العرب والألمان ) محاولة لرصد هذه التجربة؟
إنه " الكوكتيل " الثقافى الإنساني وهو واحد في جوهره ، فالإبداع لا يعرف الجنسيات. أنت تقرأ لشيللر وجوته كما تقرأ لامرئ القيس وتقرأ لنجيب محفوظ كما تقرأ لميشائيل إنده Michael Ende وغيره من الأجانب، والذين ينغلقون لا يرون إلا وجها واحدا للحقيقة .
• لك بحوث ومقالات في الاستشراق ..هل ترى أن من المستشرقين من أنصف الشرق ؟
من الخطأ أن ننتظر من الآخر أن يصفق لنا .. هذا الآخر لابد أن يكون علميا وموضوعيا وأن يبني أحكامه على أساس علمي وهذا الأمر ينطبق على الداخل أيضا ذلك لأن عدو الداخل صعب أن نكتشفه ونقاومه .
• تحرص أن تدون أسفل كل قصيدة تاريخ ومكان كتابة القصيدة.. ماذا تشكل لك تلك اللحظة ؟
إنه التشبث بالوقت والمكان ، فالقصيدة فضاء مكاني زماني وأنت كمتلقي تحرص على قراءة العنوان وأنا أحرص على أن أعطيك مفاتيح للقصيدة !
• " اليوم الأول بعد القيامة " جداريه صوفية كتبتها عن عالم ميتافيزيقى / عالم الموت وقلت عنها أنها أرهقتك وعشقتها ، فأهديت لها ديوان " النوارس تحكى غربتها " كاملا ..كيف ذلك ؟؟!
لم أقرأ لشاعر أهدى ديوانه لقصيدته وقد نبع التعب في هذه القصيدة ( ذكريات اليوم الأول بعد القيامة ) من كوني أمام مشهد لا يرى إلا مرة واحدة في العمر ، لذلك كان المسكوت عنه في هذه القصيدة أكثر بكثير مما هو مكتوب وهنا مكمن الإرهاق .
• في قصيدة " مارينا " المنشورة بديوانك ( ديوان بدران ) تقول : تسألني مارينا عن وطني / فأردد في لكنة عجمي : وطني أبحر منذ سنين كي يأتي بالحلم / فتفجؤني : ومتى سيعود ؟؟؟!!. هل كانت تجربتك في الغربة هي السبب في هذا التساؤل الذي تكرر بصيغ شتى في معظم أشعارك ؟
كنت أبحث عن وطن مفقود في مجتمعات أوجدت لنفسها مكانا وكيانا بعد حروب دامية ودمار هائل بدأت متزامنة مع الثورة في مصر ، فتقدمت تلك المجتمعات وما زلنا نبحث عن كياننا ومكاننا .
• نشأت في مركز( قفط ) وهو المركز الذي نشأ به أمير شعراء الرفض أمل دنقل ...كيف رأيت أمل الشاعر والإنسان؟
عرفتُ الشاعر أمل دنقل إذ ننتمي إلى قريتين متجاورتين تابعتين لمركز قفط وزرته في أواخر حياته في صيف 1981 وكان أمل قد تزوج بعبلة الروينى ، وأخذ أمل يتصفح قصائدي التي كنت أنشرها في ذلك الوقت في مجلة " الكاتب "وأخرج قلما وراح يعدّل في أشعاري ويُعجب بجملة ولا تعجبه جملتان ثم راح يشرح لي تجديده في الشعر الحديث ولاسيما في قصيدته " أيلول " التي جعلها على مستويين متوازيين .ثم عُدتـُـه مرات في المستشفي وكانت ذاكرته تحفظ كل الأشياء ، وفي أواخر 1982 زُرته ووجدته شخصا آخر،كان المرض قد أنهكه ؛ وبدا لي الموقف محزنا لكنه نادانى مبتسما وأخذ يتحدث معي بصعوبة واضحة ، وكان هذا آخر العهد به. لقد استطاع أمل دنقل أن يكتب بلغة عربية فصيحة أحلام وهموم البسطاء ، فعبر عن مجتمعه فهو شاعر الناس.
• نشرت من قبل قصيدتك ( ورق ) ثم نشرتها ثانية مع بعض التنقيح ..هل يعد التنقيح ضرورة إبداعية ؟
لا يوجد قصيدة كاملة ، فالشاعر ينفق عمره خلف قصيدة لا يكتبها ، ينشد الكمال ولكنه لا يجده.لذلك كان التـنقيح ضرورة لاغنى عنها للمبدع .
• تساءلت في أحد مقالاتك عن قصيدة النثر ( قصيدة النثر أم مديدة النثر ) هل كان هذا رفضا لها وهل يعتمد بقاءها واستمرارها على تلاشي الأشكال الأخرى أم أنها قادرة على أن تثبت بذاتها ؟
نحن لا نعرف كيف كانت القصيدة قبل امرئ القيس ربما كانت أكثر إبداعا وتقبلها الناس قرونا حتى جاء امرؤ القيس بمعلقاته وقصائده ومستحدثاته فانفض الناس عن القديم والتفوا حول الجديد.لذلك لا أفضل أن نحاصر الإبداع الجديد .فما يقبله الناس اليوم ، ربما يرفضونه غدا والعكس صحيح !
• بدران الناقد .. كيف ترى رحيل محمود درويش ؟
إنها مفاجئة الذهول وحضور الموت الجسدي ليبقى الشعر والشاعر. أقول أن هناك ثلاثة شعراء يستطيعون إقناع الجمهور بموهبتهم الشعرية وهم الأبنودي ومظفر ومحمود درويش !
• ظهرت في الفترة الأخيرة فكرة المدونات الأدبية والنشر الإليكتروني للإبداع .. هل نقرأ الشعر إليكترونيا ؟
لا أخفي عليك أنني كنت أتخيل أن الشباب يبحث عن أشياء تافهة على شبكة الانترنت ولكن وجدتهم يكتبون ويقرؤون ويبدعون وهو ما أصابني بالذهول ثم الفرح . هو الأدب التفاعلي وإذا كان الناشر قد عجز عن استيعاب كل هذه الأطياف الإبداعية ، فإن المدون أفلح حيث أخفق الناشر.
• باعتبارك عميدا لكلية الآداب، كيف يمكن أن نجعل من المؤسسة التعليمية راعيا للمواهب الأدبية ؟
يجب أن ننتقي النصوص التي ندرسها لأبنائنا بعيدا عن المجاملة. يمكنك أن ترى أن معظم شعر التفعيلة المقرر على أبائنا في المدارس والجامعات يطلب من الطلاب أن يكرهوا الشعر. النص الجيد هو الذي يولد الإبداع ويكشف الموهبة لدى المتلقي .
• هل لديك مشروع أدبي تطمح إليه ولم يتحقق بعد ؟
دائما تأتي الأعمال دون الآمال ، لدي مشروع روائي وأود أن أتفرغ للشعر لأن العمل الإداري والأكاديمي جارَ على الشاعر في ، أود أن أنشر لأني مُقـل في النشر بسبب الانشغال الدائم .
المصدر : خاص |