1571598419
اتصل بنا من نحن الرئيسية
اقلام السعيدة

2 ديسمبر .. يوم تحول تاريخي في المنطقة
كتب - علي الصباحي
مواد اعلانية

الإعلان عن فرصة مواصلة التعليم الجامعي للمقيمين والزائرين اليمنيين بالمملكة العربية السعودية
اعلانات


آخر تحديث الجمعة ( 30-08-2019 ) الساعة( 12:45:36 صباحاً ) بتوقيت مكة المكرمة
صنعاء القديمة : مظاهر غائبة لعادات وتقاليد وطقوس دينية وتجارية فريدة مثلت الوجه الآخر

اخبار السعيدة - صنعاء (اليمن) - أحمد الشاوش         التاريخ : 25-12-2010

الإنسان الصنعاني أهم مرتكزاتها - صنعاء القديمة: مظاهر غائبة لعادات وتقاليد وطقوس دينية وتجارية فريدة - مثلت الوجه الآخر لثراء المدينة حضارة وتاريخاً - أسواق صنعاء ومساجدها وعاداتها وتقاليدها في الأعراس والأعياد

فيما مضى كانت صنعاء مدينة خضراء هادئة وجميلة، تتمتع بهواء عليل وأشجار وأزقة الظلال، وغيول متدفقة من الجبال، ومائها زلال، فكانت قبلة لأبناء الريف الطامحين، وسوقاً مربحاً لأبناء الضواحي لعرض منتجاتهم الزراعية والحيوانية، والفخارية والمنسوجات والمشغولاتاليدوية.

امتاز سكانها بالمحافظة على القيم الدينية التي غرست فيهم الصدق والأمانة والمودة والتراحم والوفاء، وكان غالبيتهم يعمل في التجارة، والحرف اليدوية وبعضهم في الزراعة مع العلم بأن أغلب أهل صنعاء وفدوا من الريف، واستقروا فيها طلباً للعلم والرزق، والتمتع بطيب عيشها فجعلت تلك القيم منهم أسرة واحدة كالجسد الواحد، وهو ما نفتقده اليوم.

فالجار ليس مجرد جار وإنما جزء من الأسرة فالبيوت متلاصقة والأحواش متداخلة والنوافذ متقابلة، وإذا دخل الغريب أحد الأحياء سأله أي شخص ماذا يريد، ومن يريد وكان الجيران يعتبرون الآخر جزءاً منهم وهذه الخصال نتاج إيمان عميق أدى إلى ذلك التماسك الاجتماعي العظيم.

وفي عاداتهم الاهتمام باليتيم اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القائل: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة.. الخ. ويسعون إلى مساعدة الفقير فيعطونه من أفضل ما لديهم عند كل وجبة خاصة في شهر رمضان المبارك لكسب الأجر، وإذا أعسر أحدهم ساعدوه بقدر استطاعتهم، وإذا مرض زاروه وخففوا عنه، وإذا غاب شخص عن فرض من فروض الصلاة سألوا عنه، واطمأنوا عليه، وإذا عاد الحاج من مكة أنسالت دموع الفرح فرحاً بعودته، وهللوا الله تعالى وحمدوه، وكتب له عمر جديد ونحروا له، واحتفلوا به أعظم احتفال وأتوا لمجابرته، وحكى لهم من القصص وعناء السفر وأهوال الطريق ومخاطره ما أبهرهم، وكلنا يعرف المدرهة التي تنصب احتفالاً بعودة الحاج، ومن عاداتهم إذا سافر أحدهم إلى الحديدة أو تعز أو أي مدينة يمنية أخرى اجتمع الناس عند عودته في بيته وهنأوه بالعودة بالسلامة، وتبادلوا الحديث معه عن رحلته.

إنها قمة التكافل والتآزر والتآخي الاجتماعي النابع من القلب وكانت المراسم أفراحاً رغم بساطتها فالزوامل والرقص والنشيد بذكر الله ورسوله هي ما يمز أعراسهم بعيداً عن البذخ والإسراف والمفاخرة وما يصاحبها اليوم من رقصات بعيدة عن الرجولة وبعيدة عن عاداتنا وديننا الإسلامي، وفي حالة وفاة أحدهم يهب الجميع للمساعدة فمنهم من يأتي بالكفن وآخر بالمغتسل والمغسل، وثالث بالخبز ورابع بالطعام متأسين بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصنعوا لآل جعفر الطعام.. فينسى أهل الميت الحزن، وتدخل الطمأنينة إلى قلوبهم.

أما مقايل أهل صنعاء فكانت تزخر بالنقاش حول المسائل الشرعية والثقافية والأدبية والمساجلات الشعرية، وطرافة في قمة الأدب، وليست كمقايل اليوم للغيبة والنميمة.

وكان لأعياد أهل صنعاء وقع خاص فقبل العيد تزين البيوت المعروفة بطرازها المعماري الفريد وتطلى بالجص الأبيض إذا لزم الأمر أو بالخضر وهو خلاصة القضب مع الماء بعد دكه، ويتم طلاء الدرجان والقيعان بأسلوب منظم وتغسل المفارش وتنظف البيوت من الغبار، وتهتم ربة البيت بإخراج حاجة البيت من الحنطة في شهري ذي القعدة والذي يسمى شهر الطحين، ويتم إعداد الكعك والكبان وهو من الذرة الشامية، والتوهم الشبيه باللوز بعد غليه بالماء لإزالة قبابته، ثم تذهب النساء مع البنات إلى الحمامات الشعبية للاستحمام في أيام خاصة بالنساء وفي ليلة العيد تنظف أبواب البيوت وترش الأرضية بالماء، ثم تتخضب النساء بالحناء في الأيدي والأرجل وتنتقش الصغيرات بالخضاب، وبالنسبة للرجال يقومون بشراء اللوز والزبيب والدخش والسكريات وكذلك التوابل والبهارات الخاصة بالأخاصي، ثم يذهب الآباء مع أبنائهم إلى الحمامات الشعبية للاستحمام في الأوقات الخاصة بهم، وبعد ذلك يذهب الأطفال وينشدون:

العيد عيد العافية

عيد السعادة والقبول

والعيد عيد العافية

عيد الهريش الدافية

وإذا أطلق المدفع بالعيد ورفع أذان المغرب في آخر يوم من رمضان أشعل الأطفال النار من مخلفات الحطب التي جمعوها، وقرعوا الطبول وداروا حول النار فرحين مرددين أهازيج معينة ثم تنقلوا من شارع إلى آخر وبأيديهم المباخر المصنوعة من الطين وعليها بعض الجمر والبخور، ثم يذهب كل إلى بيته، ويعود رب الأسرة بالملابس الجديدة التي خيطها لأولاده وكل بحسب قدرته، وينام بعض الأطفال وهو لابس لثوبه والبعض الآخر ينام وملابسه بجواره من شدة الفرح، وإذا أصبح العيد صلى الناس صلاة العيد بالجبانة وسلم كل منهم على الآخر بعد صلاة العيد وعادوا إلى بيوتهم وتناولوا القهوة والسبايا المرشوش بالسمن البلدي وبعض الكعك والزبيب ولبس الأطفال ملابسهم وسلموا على آبائهم "في الركبة" احتراماً وطاعة، وتسالم الأخوة وأعطى الأب العيدية لكل منهم "العسب" لأطفاله باعتبار ذلك فاتحة خير وبركة للأطفال وإسعادهم ثم ينطلق الجميع لزيارة الأقارب والأرحام، وتقديم العيدية اللازمة وبعد ذلك يعود الأطفال وهم في قمة السعادة من العيدية، ومما امتلأت جيوبهم من الكعك والزبيب والسكريات.

ومن ضواحي صنعاء تأتي بائعات الورد البلدي والرياحين والشذاب والمشاقر يفترشن الأسواق الشعبية في باب اليمن وباب شعوب وباب السباح، وغيره من أسواق صنعاء بنظام فطري عجيب، وكذلك بائعات البلس بنوعيه العربي والتركي، والفرسك بنوعيه الحلاسي وغيره، والمشمس والسفرجل الهندي وغير الهندي، والعمبرود الصغير "الكمثري" والعنب واللبن، والسمن، والدجاج، والبيض البلدي موضوعه في سلال وأغطية من القش والحصير حفاظاً على البيئة وبعيداً عن استخدام الأسمدة والمبيدات الضارة، كما هو حالنا اليوم للأسف الشديد.

الأسواق الشعبية

وأسواق صنعاء آية في الإعجاب ومنها سوق الفضة، والمحدادة، والنجارة، والمعطارة، والزبيب، وسوق الملح لجميع أنواع الحبوب الزراعية، والفتلة، والجنابي، المعدن ومعاصر الصليط والجلجل، وسماسر لايواء المسافرين والوافدين إلى صنعاء من القرى اليمنية والضواحي لشراء حاجاتهم، فالقبائل هم رواد هذه الأسواق نظراً لاشتهار صنعاء بالصناعات الحرفية وإشباع رغباتهم واحتياجاتهم وكل هذه الأسواق متجاورة وموزعة وفق نظام دقيق.

وكان يمنع الشخص من مزاولة أعمال التجارة حتى يدرس فقه البيع والشراء، وكانت أخلاقهم أخلاق القرآن فلا ربا ولا احتكار ولا غش، بل أن بعضهم إذا باع سلعة وجاء مشترٍ يريد نفس السلة يرد عليه البائع بأن طلبه لدى جاره حرصاً منه على جاره كي يترزقا سويا. إنها قمة الإيمان التي غرست حب الآخرين.

مساجد وطقوس دينية

أما المساجد فكانت منارات علمية للدارسين كالجامع الكبير وطلحة وقبة المهدي والمتوكل والنهرين وغيرها، وعشرات المساجد، فمن بعد صلاة العصر يتدارس الكثير من الناس العلوم الشرعية لدى العلماء ويقرأون القرآن، والفرائض والفقه واللغة وغير ذلك، حتى اقتراب وقت صلاة المغرب، وما بين صلاة المغرب والعشاء تتم قراءة القرآن وأحكام التجويد في شكل حلقة دائرية ثم يذهب كل إلى بيته بعد صلاة العشاء لتناول العشاء والسهر قليلاً مع أسرته ومجابرتهم لعدم وجود وسائل الاتصال الحديثة من تلفزيون وغيره ثم يخلد الجميع للنوم ويصحوا قبل الفجر لأداء صلاة الفجر، يتدارس بعدها المصلون القرآن وأحكام التجويد وبعض المسائل الفقهية في شكل حلقة حتى شروق الشمس ثم يعود الناس إلى منازلهم لتناول فطور الصباح، فالتاجر يذهب إلى دكانه والمزارع إلى أرضه وطلبة العلم إلى المساجد لتلقي الدروس حتى منتصف الظهيرة، وهي عبارة عن كتاتيب ملحقة بالمساجد، وكان للمعلم قدسية خاصة، وجميع الناس سواسية، ومن يكمل ختم القرآن يقيم أهله احتفالاً كبيراً يزف على أحد الخيول ويرتدي زياً شعبياً فريداً يليق بالمناسبة ويكون الحافظ وأسرته محل تقدير واحترام الناس.

وكانت جمعة رجب تمثل قدسية خاصة لدى الناس يقول الحاج علي السخي من أهالي صنعاء القديمة: جمعة رجب بالنسبة لأهل صنعاء تعتبر العيد الثالث بعد عيد الفطر وعيد الأضحى المبارك لفضلها باعتبار أن جمعة رجب هو أول يوم دخل فيه الإسلام إلى اليمن وأسلم أهل اليمن فيه، وتقديراً لهذا اليوم يتم الاحتفال به في صنعاء وضواحيها وكانت حركة البيع الشراء نشطة جداً، ولكن نظراً للظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة أدى ذلك إلى تلاشي وتناسي هذه المناسبة العظيمة تدريجياً حتى اختفت المناسبة الآن، فكان بعض الناس الذين لهم أرحام بصنعاء يأتون في جمعة رجب أو من يتأخر بعدها بأسبوع لشراء الزبيب وغيره كهدايا لزيارة أرحامهم بصنعاء تآسياً بأهل صنعاء في عاداتهم وانقرضت هذه العادة للأسف الشديد.

وفيما يتعلق بالمسجد ودوره العلمي قال "السخي": بالنسبة للجامع الكبير لا تزال هناك حلقات ودروس شرعية تقام من بعد صلاة العصر يدرس فيها القراءات والفقه وسائر العلوم، ولكن الفترة الصباحية من الساعة الثامنة صباحاً هي الأكثر حضوراً وانضباطاً، حيث يقوم بعض العلماء ومنهم عبدالله الراعي بتدريس الفقه والفرائض والحديث وغيره حتى قبل الظهيرة، ولكنها ليست كما كانت بقوة وزخم الماضي، وهاك بعض المساجد كالبليلي وغيرها.

ومن عقال ومشايخ الأسواق هل لا زالت هذه الأعراف موجودة؟

أجاب قائلاً: ما يزال لكل سوق عاقل مثل سوق الجنابي وشيخه العزيري، وسوق الفضة وعاقله رسام، وسوق العنب الجماعي، وسوق الزمر وشيخه محمد صلاح العديني، ولكن ليسوا بقوة الماضي وبنفس الرؤية. ويضيف الأخ أحمد السريحي أحد تجار الفضيات بصنعاء القديمة أنهم ينسقون مع المجالس المحلية والضرائب والتجار.

وحول سبب انقراض بعض المنتجات اليمنية يقول الحرفي "السريحي": أسواق صنعاء القديمة تميزت بالمنتجات اليمنية الأصيلة، فكانوا أصحاب حرف ومهن متنوعة ذات جودة وقوة مثل أعمال الفضة والعسوب، والمحافظ والجوزات الفضية، والسكاكين التي توضع خلف العسوب، والخواتم والأفصاص والسلوس، وكانت صنعاء مشهورة بالكثير من الحرف والمنسوجات وقد اشتهر البوساني والبديحي قديماً بصناعة الفضيات وكان يضع هؤلاء على صناعتهم الختم باسم في نفس المنتج كعلامة تجارية بحيث إذ حصل غش يستطيع المشتري أن يرجع إلى البائع ويعتبر الختم بدلاً عن فاتورة الشراء في عصرنا الحالي، ولكنه للأسف الشديد دخلت الكثير من المنتجات الصينية ذات الصناعة الضعيفة وكذلك الإيرانية، ولعبت بالسوق حيث يتم تقليد المنتجات اليمنية في الصين بنفس النمط من مادة الرصاص والقصدير الخطيرة ويتم خلطها مع الأحجار الكريمة وإدماجها بأنها فضة وليست فضة كما أن رخص ثمنها أدى إلى التأثير على المنتج اليمني ما أدى إلى إقفال بيوت وتحطيم بعض الحرفيين داخل صنعاء ليس في سوق الفضة وإنما في كل الأسواق كسوق المحدادة، والفتلة والجنابي والزبيب وغير ذلك، فالسكاكين والمقصات والجنابي والحزم والمسامير والمعادل والخواتم والسلوس تأتي من الصين على حساب المنتج اليمني مع العلم بأن وزارة السياحة غير راضية بهذا.

وعند سؤالنا للأخ علي المطري.. هل ما يزال من يلتحق بالتجارة عليه أن يقرأ فقه البيع والشراء لممارسة التجارة كالماضي؟ أجاب قائلاً:

هذا كان في الماضي أما الآن فالسوق حر يقرأ أو ما يقرأ المهم إذا معه ضمار مبلغ من المال فالسوق مفتوح وليس له ضوابط كالماضي وكل واحد وضميره وديانته وفي هذه الرؤية تلتقي مع رؤية علي السخي وأحمد السريحي.

هذا ما سمعناه من بعض الآباء والأجداد وكبار السن السابقين وما لمسنا بعضاً منه في صغرنا وقرأناه للقاضي إسماعيل الأكوع في كتيبه أعراف وتقاليد وما أوجزناه ممن التقيناهم.

ترى هل ما زال أهل صنعاء محافظين على تلك القيم أو ما تبقى منها باعتبارها قيماً نبيلة؟؟ وهل ما زلنا كيمنيين نحنُ إلى تلك القيم والعادات الحميدة النابعة من ديننا الإسلامي الحنيف التي ساهمت في بناء مجتمع متماسك ومتراحم أساسه التقوى وإيثار الآخر رغم بساطتهم وإمكانياتهم المتواضعة، وهل تنتبه الجهات المختصة وتحافظ على ما تبقى من المحض والحرف والمشغولات اليدوية أم نجري نحو السراب والاندثار؟

Shawish22@gmail.com

صنعاء نيوز

إضافة تعليق || طبـاعة || إرسـال || عدد القراءات : 10067
شارك
Share |
اضف تعليقك على الفيس بوك
التعليقات

سياسية الخصوصية || القائمةالبريدية || خريطة الموقع || خدمة RSS
جميع الحقوق محفوظة لـ © اخبار السعيدة - 2008 -- برمجة وتصميم كليفر ديزاين

Total time: 0.0077