1560749426
اتصل بنا من نحن الرئيسية
اقلام السعيدة

2 ديسمبر .. يوم تحول تاريخي في المنطقة
كتب - علي الصباحي
مواد اعلانية

الإعلان عن فرصة مواصلة التعليم الجامعي للمقيمين والزائرين اليمنيين بالمملكة العربية السعودية
اعلانات


آخر تحديث الجمعة ( 14-06-2019 ) الساعة( 11:21:06 صباحاً ) بتوقيت مكة المكرمة
سؤال لعلماء الأمة متى تخلص النوايا ؟؟

اخبار السعيدة - كتب - أ.د. محمد سعد عبد اللطيف         التاريخ : 28-06-2010

قال تعالى ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون ) (136). ألقى الإسلام مسؤولية عظمى على العلماء، فهم بحكم وعيهم بمضامين الوحي الإلهي، وفهمهم لأحكام الشريعة ومقاصدها، واطلاعهم على نصوص الكتاب والسنة، ومعرفتهم بشروح علماء السلف لها، وقدرتهم على توجيهها والاستنباط منها، وحل معضلات الحياة العصرية على ضوئها، لهذا كله تعظم مسؤوليتهم كلما اشتدت الحاجة إليهم، وهي تشتد وتقوى بانحسار الوعي الإسلامي العام في المجتمع، وفقدان القيم الدينية والأخلاق المبنية عليها، وضعف الأواصر بين الناس وبين الأصول الإسلامية المتمثلة بالكتاب والسنة، وانحدار مستوى اللغة العربية السائدة مما يولد العجز أو الضعف عن فهم الأصول. ولا شك أن مهمة العلماء المتخصصين في دراسة الإسلام وشريعته لا تنحصر في الفتاوى التي تصدر عنهم في بيان الحلال والحرام من أحكام الشريعة في الأحوال الشخصية وبعض الحدود والعقوبات وبعض أحكام المعاملات ، بل تتعدى ذلك إلى تثبيت العقيدة الإسلامية والمعاني الإيمانية والكليات التي تشعر المسلم بأهمية الإسلام في ملء ثقافته وإشباع روحة وتحديد هويته ورسم معالم حياته الخاصة والعامة، وجعله يحس بالاكتفاء والاستغناء عن ( الإيديولوجيات ) الجاهلية التي سيطرت على أرجاء المعمورة وغزت العالم الإسلامي في عقر داره . من أجل ذلك لا بد أن تقوم النخبة المؤمنة من علماء الأمة بإعادة بناء ما تهدم من حصون المجتمع الإسلامي وبث روح النهضة فيه ودفعه إلى طريق الحضارة والتقدم، ولا بد أن تكون هذه النخبة على قدر كبير من الوعي العميق والإحاطة الشاملة بنصوص الكتاب والسنة مع البصيرة بواقع الحياة الحديثة، وعدم الانغلاق والاعتزال أو الجنوح إلى الروحية الاعتزالية بحجة القيام بالعبادات الفردية الفردية كنوافل الصلاة والصوم والذكر والتفكر والتدبر ، فهذه العبادات وإن أثيب صاحبها لكنها مفضولة إذا قورنت بالدعوة إلى الإسلام وتعميق معاني الإيمان في نفوس الناس وخاصة في هذا العصر الذي طغت فيه الجهالة بالإسلام وتعاليمه وانحسر أثر الإيمان عن الحياة ، وحل التناقض والثنائية في نفس الفرد المسلم وفي مؤسسات المجتمع الإسلامي، فلا غرابة أن تعظم مكانة الدعوة إلى تجديد الإيمان وتأسيس المجتمع على قواعده. يقول ابن قيم الجوزية ( والعالم الذي قد عرف السنة والحلال والحرام وطرق الخير والشر، مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح(137) . وقد كتب عبد الله العمري _ أحد العباد الصالحين _ إلى مالك بن أنس يحضه على الانفراد والعمل، فكتب إليه مالك: ( إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر ) (138) ويقول أبو حامد الغزالي : أعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان ، فليس خاليا في هذا الزمان عن منكر، من حيث التقاعد عن إرشاد الناس، وتعليمهم وحملهم على المعروف، فأكثر الناس جاهلون بالشرع في شروط الصلاة في البلاد فكيف في القرى والبوادي ) حتى قال : ( وواجب أن يكون في كل مسجد ومحلة من البلد فقيه يعلم الناس دينهم ، وكذا في كل قرية، وواجب على كل فقيه فرغ من فرض عينه، وتفرغ لفرض الكفاية أن يخرج إلى من يجاور بلده .. ويعلمهم دينهم وفرائض شرعهم .. فإن قام بهذا الأمر واحد سقط الحرج عن الباقين ، وإلا عم الحرج الكافة أجمعين، أما العالم فلتقصيره في الخروج ، وأما الجاهل فلتقصيره في ترك العلم) (139) .

ولا شك أن العالم يؤثر في الناس على قدر صلاحه وتقواه وعبادته وطاعته لله، فهو إسلام يمشي على رجلين ، ونجم يسطع لينير الدروب أمام السالكين، فلا بد أن يأخذ نفسه بالحق ويقومها على الصدق ويغذيها بالورع ليكون بعمله داعياً إلى الحق قبل قوله، ولئلا يكون في مخالفته للحق حجة عليه، فيرد الناس كلامه لأنهم يقولون لو كان كلامه صدقاً لأخذ نفسه به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( يؤتي بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه ). (140) فالعالم وطالب العلم الشرعي ينبغي أن تظهر على سلوكه وكلامه وسمعته آثار حمله للأمانة الإلهية والرسالة المحمدية .. قال الإمام الأوزاعي : ( كنا قبل اليوم نضحك ونلعب، أما إذا صرنا أئمة يقتدى بنا ، فلا نرى أن يسعنا ذلك، وينبغي أن نتحفظ ) (141) وليس معنى هذا أن العالم لا يخطئ، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، ولكن معناه أن العالم يجتهد في مجاهدة نفسه والارتفاع بسلوكه ليكون قدوة صالحة للناس ، وإلا - كما يقول الإمام سعيد بن المسيب: ( لو كان المرء لا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء - يعني من العيب- ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر ) (142). ومن لوازم مخالفة العالم للناس وبيان الحق لهم أن يكون متصفاً بسعة الأفق ورجاحة العقل والثقافة الشرعية والواقعية، والصبر على أذاهم والرفق بهم ، وقد وصف الشيخ عبد القادر الجيلاني أمثال هؤلاء العلماء الدعاة بقوله : (يدلون الخلق ، ويصبرون على أذاهم ، مع دوام النصح لهم، يبتسمون في وجوه المنافقين والفساق ، ويحتالون عليهم بكل حيلة حتى يخلصوهم مما هم فيه ويحملوهم إلى ربهم عز وجل ) . (143) ولا شك أن من دواعي نجاح العالم القيام بحقوق الناس والشفاعة لهم في استحصالها والنظر في مصالحهم، فتبني مصالح الأمة والدفاع عنها والاهتمام برعاية الفقراء وسد حاجة المحتاجين وإرشاد الأغنياء إلى أعمال الخير وتبني المصالح الاجتماعية العامة والإنفاق عليها، كل ذلك يجعل لأهل العلم مكانة في المجتمع وأثرا في توجيهه نحو مثل الإسلام العليا في الحياة. وقد كان الأئمة من علماء السلف ينبهون المسؤولين من حكام عصرهم إلى مصالح الرعية ويتلطفون في الوصول إليها، فقد لاحظ الإمام الأوزاعي أن المرتبات التي تصرفها الدولة لأهل ساحل الشام لا تفي بحاجاتهم الضرورية مع أنهم يقفون على ثغور الإسلام البحرية المطلة على البحر المتوسط، فما كان منه إلا أن كتب إلى الخليفة المهدي العباسي يقول: ( أما بعد، ولى الله لأمير المؤمنين أموره بما ولى به أمور من هدى واجتبي، وجعلهم به مقتدياً، فإن أمير المؤمنين أصلحه الله كتب إليّ ألا أدع إعلامه كل ما فيه صلاح عامة وخاصة، فإن الله عز وجل يأجر على من عمل به، ويحسن عليه الثواب، وأنا أسأل الله عز وجل أن يلهم أمير المؤمنين من أعمال البر ما يبلغه به عفوه ورضوانه في دار الخلود، وقد كان أمير المؤمنين _ حفظه الله _ قصر بأهل الساحل على عشرة دنانير في كل عام سلفاً من عطايا تهم، وأمير المؤمنين أصلحه الله- إن نظر في ذلك عرف أنه ليس في عشرة دنانير لا مريء ذي عيال عشرة أو أدنى من ذلك أو أكثر كفاق، ولو أجرى عليهم أمير المؤمنين - أصلحه الله- في أعطيا تهم سلفاً في كل عام خمسة عشر ديناراً.. ثم ذكر مكانتهم في حماية ثغور المسلمين البحرية وما يعانونه من حر الصيف وبرد الشتاء ويذكره بأنه راع ومسؤول عن رعيته.. ثم يقول : وقدم علينا رسول أمير المؤمنين _ عافاه الله _ بالعطية من النفقة والكسوة التي أمر أمير المؤمنين _ عافاه الله _ بقسمها في أهل الساحل، فقسمناها فيهم من دينار لكل رجل ودينارين، وقل المال عن اليتامى والأرامل فلم يقسم فيهم منه شيء.. وإن رأى أمير المؤمنين _ أصلحه الله _ أن يبعث بما يقسم فيهم فعل ..) . (144) وقد كانت رسائل الأوزاعي إلى خلفاء عصره تترى يذكر لهم فيها ما يصيب الأمة من ضنك المعيشة أو اضطراب الأمن أو هجوم الأعداء عليهم، كما فعل عندما غلت الأسعار بمكة فكتب إلى المهدي وكان وليا لعهد المنصور يطلب منه معونتهم وإلا هلكوا جوعاً ويضرب له المثل بما فعل عمرابن الخطاب ( رضى الله عنه ) عام الرماد عندما حلت المجاعة بالمسلمين . ولم يقتصر الأوزاعي على الدفاع عن حقوق المسلمين بل تعدى ذلك إلى حقوق بقية المواطنين الذميين ، فلما أجلى صالح بن علي ( ت 151 هـ ) والي الشام العباسي بعض نصارى أهالي جبل لبنان بجريرة بعضهم، كتب إليه الأوزاعي يقول: كيف تؤخذ عامة بذنوب خاصة، حتى يخرجوا من ديارهم وأموالهم ، وحكم الله تعالى ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) (145) وهو أحق ما وقف عنده واقتدى به، وأحق الوصايا أن تحفظ وترعى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قال ( من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ) (146). ومن يراجع ترجمة الأوزاعي في كتاب الجرح والتعديل للرازي يجد نماذج أخرى من هذه الرسائل التي تتبنى مصالح الرعية في سائر ديار الإسلام. فلا شك أن الأوزاعي في تبنيه لمصالح الأمة قدوة للعلماء ولطلبة العلم في كل زمان ومكان ، وليس هو النموذج الوحيد ، فما أكثر رجالات هذه الأمة الصالحين للاقتداء بهم ، فقد كان القاضي أبو يوسف ممن اهتم بالمستضعفين من الفلاحين ودافع عنهم وطالب بتحقيق العدالة في معاملتهم ومحاسبة الجباة إذا أساءوا إليهم وذلك في كتاب ( الخراج) الذي ألفه للخليفة العباسي هارون الرشيد .

وكان العلماء هم قادة المسلمين في أوقات الشدة والنوازل والأخطار وقد برهن العديد منهم على جدارتهم وشجاعتهم في قيادة الناس، من ذلك أن الفقيه أبا القاسم مسعود الخجندي الذي عاش في أصبهان لما رأى قوة الباطنية وتهديدها لأهل أصبهان بعد اغتالت نظام الملك وولده فخر الملك وشحنة أصبهان ، حتى أصاب السكان الخوف والهلع ، قام هذا العالم بجمع وجهاء أصبهان وحشد الناس بالأسلحة وأمرهم بحفر الأخاديد لحرق الباطنية(147)، وبذلك عاد الأمان إلى أصبهان وانحسرت شرور الباطنية بجهود هذا الفقيه الذي قام بسد الثغرة الأمنية في بلده عندما انشغلت الدولة عنها بمشاكلها الأخرى .. (148)

ولا تنحصر نماذج العلماء الربانيين في عصور الإسلام الأولى بل تمتد إلى الأجيال اللاحقة.. فهذا ابن كثير ( ت 774 هـ ) الذي عاش في دولة المماليك البحرية يقف في مواجهة المرسوم السلطاني بمصادرة أملاك أهل الذمة داخل البلاد ( 648 – 784 هـ ) انتقاماً لما صنعه الفرنج في هجومهم على الإسكندرية 767 هـ فنصح ابن كثير السلطان بتعطيل القرار لمخالفته الشريعة والتزم السلطان برأيه . (149)

وكان علماء السلف يحثون بعضهم ويتواصون بالبعد عن طلب المال والجاه والحرص على المناصب، وذلك لأن الحرص على الدنيا يذل العلماء ، ويضعف مكانتهم بين الناس، ويشكك في صحة أقوالهم ودعوتهم، ويصرف الأمة عنهم، لذلك فضل كثير من علماء السلف أن يمارسوا مهنا حرة، تسد حاجتهم، وتمنع وقوعهم في ذل السؤال، وتنأى بهم عن الضعف أمام الأقوياء المحسنين ،ليجرؤا على قول الحق لهم وقد قال تعالى ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولاتكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا فبئس ما يشترون) (150) ، وقد وجد الإمام الحسن البصري بعض العلماء واقفين على ابن هبيرة الوالي على العراق فنهرهم وقال: ( فضحتم العلماء فضحكم الله ) . وكان سفيان الثوري يقول: ( المال داء هذه الأمة، والعالم طبيب هذه الأمة، فإذا جر العالم الداء إلى نفسه ، فمتى يبرئ الناس ؟ ) . فينبغي لطالب العلم أن يكون عزيزا بالله مستغنياً عن الخلق، قادراً على الكسب، بعيداً عن السؤال، قانعاً بالقليل، لا يغرق نفسه وأهله بالكماليات ، فتشتد حاجته للمال فيطلبه من كل طريق فيفقد مكانته بين الناس. ومن منهج علماء السلف الابتعاد عن مجالسة أهل الأهواء والبدع لئلا يغتر بهم العامة فيحسبونهم على خير، وكثيراً ما كان العلماء يحذرون من أهل الأهواء ويقاطعونهم ويأمرون الناس بمقاطعتهم، قال الإمام أحمد لمسدد ابن مسر هد :( ولا تتشاور أهل البدع في دينك، ولا ترافقهم في سفرك ) . وكانوا يحاصرون الأفكار المخالفة للعقيدة الإسلامية يقول سفيان الثوري : ( من سمع ببدعة فلا يحكها لجلسائه، لا يلقها في قلوبهم ) (151) ، ويقول الحافظ الذهبي معقبا: ( أكثر أئمة السلف على هذا التحذير، يرون أن القلوب ضعيفة، والشبه خطافة ) (152). وأما إذا شاعت الأفكار المخالفة للعقيدة الإسلامية بين المسلمين فلا بد للعلماء من مناقشتها وتفنيدها وبيان بطلانها، على أن يتولى ذلك أصحاب الأقلام القوية والحجج المتينة والاطلاع الواسع، فكم من مدافع عن العقيدة سرد الشبهات وعجز عن ردها فكأنه أعان على نشرها وانتصر لها بعجزه عن تفنيدها .

إن الثقافة الواسعة والبصيرة النافذة لا تكون إلا لمن وثق صلته بالكتاب والسنة وفقههما، وعرف الواقع عن كثب، وإلا فكيف يبين العالم حكم الله في المعاملات وهو لا يعرف إلا المعاملات التي كانت تجري في القرون الأولى، أما قواعد المعاملات في هذا العصر فلا يعرف عنها شيئاً، وكيف يراعي قواعد الشريعة ومقاصدها العامة في رعاية مصالح الأمة إذا لم يكن على صلة وعلم بالواقع .

إضافة تعليق || طبـاعة || إرسـال || عدد القراءات : 2982
شارك
Share |
اضف تعليقك على الفيس بوك
التعليقات

سياسية الخصوصية || القائمةالبريدية || خريطة الموقع || خدمة RSS
جميع الحقوق محفوظة لـ © اخبار السعيدة - 2008 -- برمجة وتصميم كليفر ديزاين

Total time: 0.0253