 اخبار السعيدة - اسبانيا - حمزة العبدالله - الجزيرة توك التاريخ : 10-04-2011
لا توجد للعظمة مقاييس أو حدود، ولكن ليس هناك من عظمة تضاهي بناء المجتمعات الواعية والقدرة على التغيير الإيجابي، وهذا ما كان ينقصنا، وافتقدناه في السنوات الطويلة الممتدة الماضية حتى ظننا أن الشعوب ماتت، وضمائرها قد تحجرت حتى أصبحت تقبل الذل والعبودية كشيء حتمي واقع.
عندما انتفضت الشعوب واستيقظت من غفلتها بدأت الصورة النمطية في أذهان الجميع عن العرب تتغير، فالعالم يرى في العرب الفوضى والذل والخنوع، ولكن ما أثبته العرب في ثوراتهم عكس ذلك.
تحركت تونس ومن ثم مصر ومن ثم ليبيا والأردن واليمن، والعالم ينظر إلى سورية ويترقب تحركها ويستغرب لماذا لم تتحرك؟!!!
لعلها لا تزال نائمة، لم تسمع صيحات الكرامة، ولم تصلها رياح الحرية لتستنشقها...
لعلها مثقلة بجروح الماضي العميقة، فلا تزال فيها مدينة كحماة تندب ما يقارب 48000 شهيد مابين رجل وامرأة وطفل وعجوز وكهل قتلوا في شهر شباط 1982 حسب ما يذكره أكرم حوراني في مذكراته...
لعل تدمر ما زالت تذكر احتضانها لألف ومائتي شهيد في غضون سويعات في 1980 في سجنها الصحراوي...
ولعل السجون الموجودة فيها والتي لا تزال تحتفظ بالآلاف المؤلفة، والتي مات على ثراها وأُعدم الآلاف كذلك لا زالت تكبل الجميع..
بدأت حكاية الثورة السورية مع بداية النداءات التي ظهرت في العالم العربي بعد سقوط النظام التونسي، فبدأ التحرك في إطار ما يسمى يوم الغضب السوري الذي حُدد في يومي 4 و 5 شباط، ولكن الخوف هو من غلب، والتشديد الأمني الواضح زاد الطين بلة فباءت النداءات بالفشل، ولكن نشطاء الفيسبوك والانترنت لم يتوقفوا ولكن استمروا في إطلاق النداءات للنزول للشارع، إلى أن بدأت ظاهرة كانت غريبة من نوعها ولأول مرة تحدث في عصر الدكتور بشار الأسد حينما قام مجموعة من الشبان في محافظات سورية متنوعة بالكتابة على الجدران ليلاً عبارات تنادي بالحرية والإصلاح علهم يجدون في ذلك وسيلة للتعبير عن أنفسهم في ظل الكبت والقمع العام.
أحدثت تلك العبارات المطبوعة على الجدران حراكاً بسيطاً فشجع ذلك مجموعة من الفتية والأطفال في درعا لأن يسطروا أحلامهم التي يحلمون بها في بلدهم الحبيب على الجدران، ولكن لسوء حظهم فقد وقعوا في أيدي قاتلي الأحلام ومغتصبي الطفولة، فتعرضوا للتعذيب الذي وصل إلى حد قلع أظفارهم الناعمة، والاعتداء على طفولتهم وكرامتهم من قبل وحوش تتنكر وتختبئ خلف ظل البشر.
تزامنت هذه الأحداث مع دعوات أطلقت لثورة سورية في 15 آذار ضمن مطالب أساسية تدعو إلى المطالبة بإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق الحريات العامة والتعددية الحزبية وتبييض السجون ومحاكمة المجرمين، فلاقت هذه الدعوة استجابة من طرف الشعب، وقمع من قبل أجهزة الأمن بالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، فسقط الشهداء والجرحى واعتقل العشرات.
أعلن خلال تلك الفترة عن جمعة الكرامة في يوم 18 آذار للتظاهر بعد صلاة الجمعة وبالفعل تم التظاهر في محافظة درعا ودمشق والقامشلي وحمص مرددين العديد من الشعارات التي كان من أبرزها:
"الله سورية وبس"
"سلمية سلمية"
"لا إله إلا الله... الشهيد حبيب الله"
في الأيام التي تلت جمعة الكرامة كانت تنشأ الاحتجاجات خلال خروج أهالي المناطق لتشييع شهدائهم، واستمر الوضع كذلك حتى فجر يوم 23 آذار عندما اقتحمت وهاجمت قوات الأمن جامع العمري بمدينة درعا وارتكبت مجزرة، عدها الكثير من الحقوقيين والناشطين وحتى الجهات الدولية جريمة ضد الإنسانية راح ضحيتها عشرات الشهداء حتى قيل أنهم وصلوا بحدود 25 شهيد وقرابة 100 جريح بجراح متوسطة وخطيرة، وتم منع الإسعاف من القيام بعمله.
ظهرت مستشارة الدكتور الأسد بثينة شعبان في مؤتمر صحفي يوم 24 آذار بجملة من وعود بالإصلاح، وصفها الكثير بالمخزية والداعية للخيبة معتبرين تصريحاتها بالمراوغة الهادفة لامتصاص غضب الشعب، فخرجت في الجمعة التي تلت هذا المؤتمر الصحفي ومجزرة جامع العمري والتي أطلق عليها جمعة العزة 25 آذار مظاهرات حاشدة منادية السيدة بثينة شعبان "يا بثينة ياشعبان.. الشعب السوري مو جوعان" وواصفة موقف الشيخ البوطي ومفتي سوريا حسون بالخائن "لا للبوطي لا حسون.. الشعب السوري مابيخون"وامتدت المظاهرات في غالبية المدن السورية وقوات الأمن استمرت في ممارسة عمليات القتل المستمر، واستمر كذلك الوضع في الأيام التي تلت جمعة العزة.
ظهر الرئيس بشار الأسد في خطاب دل على ارتباكه وتوتره وعدم توازنه في لحظتها حتى غاب عنه الترحم على الشهداء، وضحكاته التي كانت تدل على اضطراب واضح، فوُصف خطابه بالمُخيب للآمال بحسب تعبير وزير الخارجية التركي وبحسي تصريحات السواد الأعظم ممن تعشم خيراً في الرئيس الشاب المثقف، ولكنهم بعد الخطاب وصفوه بالأشد حقداً وانغلاقاً من والده الجنرال الذي دمر مدينة حماة عن بكرة أبيها وعاث في سورية فساداً وطغياناً.
كان رد الشعب بجمعة الشهداء 1 نيسان تقديراً لعدد الشهداء الكبير الذي سقط منذ بدء الانتفاضة والذي قدر إلى لحظتها بما يزيد عن 200 شهيد وما يقارب 800 جريح، وعدد غير معروف من المعتقلين، وخرج المتظاهرون في غالبية المحافظات السورية بمظاهرات سلمية ولكنها حادة اللهجة حتى أن بعضها طالب بإسقاط النظام.
وكما هو الحال في أسابيع مضت لوحظ أن النظام السوري يستمر في التصعيد حتى ما أن يقترب يوم الجمعة يبدأ بإظهار حسن النوايا والرغبة في الإصلاحات، بهدف امتصاص الغضب، فصدر مرسوم رئاسي بموضوع منح الجنسية للأكراد معتبراً ذلك مكرمة، ولينسى أنه حق منتزع.
الغريب في كل ذلك أن الثورة لا تزال مستمرة بعد قرابة الشهر من انطلاقتها برغم التعتيم الإعلامي العام والقبضة الأمنية القوية، ولكن على ما يبدو أن الأوضاع في سورية وصلت إلى نقطة اللارجوع إلى الوراء ولا عودة إلى السابق، خصوصاً مع وجود شعوب حرة عربية تحررت قريباً مؤيدة لهذه الثورة.
أفما آن للرئيس الشاب أن يدرك ذلك وأن يسعى نحو الإصلاحات الحقيقية، ويعتبر من النماذج التي سبقته، وفي ذلك لعبرة لأولي الألباب... |