1571112958
اتصل بنا من نحن الرئيسية
اقلام السعيدة

2 ديسمبر .. يوم تحول تاريخي في المنطقة
كتب - علي الصباحي
مواد اعلانية

الإعلان عن فرصة مواصلة التعليم الجامعي للمقيمين والزائرين اليمنيين بالمملكة العربية السعودية
اعلانات


آخر تحديث الجمعة ( 30-08-2019 ) الساعة( 12:45:36 صباحاً ) بتوقيت مكة المكرمة
الثورات الشبابية السلمية في ضوء اللاعنف الغاندي

اخبار السعيدة - كتب - احمد صالح الفقيه         التاريخ : 09-04-2011

تدفعني تجربة الثورة السلمية العظيمة التي تجري في بلادنا الى تأمل تجربة المهاتما موهنداس كارامشاند غاندي، أعظم من مارس المقاومة السلمية مستخدما مزيجا فريدا من الضغط السياسي والروحي لتحقيق أهداف إنسانية باسلوبه اللاعنفي المسمى "ساتياجراها" وهي كلمة سنسيكريتية تعني الصدق والثبات الحازم.

في خضم مشكلة احتلال ايريتريا لجزر حنيش اليمنية، أجرى مذيع قناة الجزيرة سامي حداد مقابلة مع الرئيس اليمني تباهى فيها الاخير بالحكمة اليمانية التي أدت الى تجنب الحرب مع اريتريا باللجوء الى التحكيم الدولي لحل النزاع، وهنا باغته الاعلامي البارع بسؤال محرج استفسر فيه عن اسباب غياب الحكمة اليمانية عن الخلاف مع شركاء الوحدة من أبناء الوطن في الجنوب، الذين شن الرئيس عليهم الحرب الظالمة عام 1994، فكأنما ألقمه حجرا.

 يرى غاندي ان العنف ينكر الحقائق الوجودية الأساسية (ان لكل الناس أرواحا، وانهم يمتلكون قدرة خلقيه على تقدير قيمة الخير والسعي في سبيله، وأن لا أحد يبلغ من الانحطاط حدا لا يمكن معه كسبه وتغييره عن طريق مخاطبة مشاعره الأخوية وانسانيته.

وأن من طبائع الامور ان الناس يختلفون، مخلصين، حول ما هو صحيح وما هو خاطئ، ذلك انهم ينظرون الى الحقيقة من زوايا مختلفة، وأن كل معارفهم مشوبة بالخطأ وقابلة للتصحيح).

 وأن انكار الحقائق الوجودية الاساسية يحدث بغرض تبرير تلك الخطوات والاجراءات المتطرفة المؤدية الى ممارسة الايذاء والقتل. وهي ممارسات يظن مرتكبها ان موقفه صحيح صحة مطلقة، وان الضحية الخصم مخطئ بصورة كلية، وان العنف سيحقق النتائج المرجوة بكل تأكيد.

ولما كانت نتائج العنف غير عكوسة بمعنى ان النفس التي ازهقت اوشوهت لا يمكن احياؤها او اعادتها الى حالتها الاولى بسهولة. فان الافعال غير العكوسة تتطلب لتبريرها معرفة سامية لا اخطاء اوثغرات فيها وتلك معرفة اعلى من متناول البشر.

ولذلك فاننا كمسلمين نجد لزاما علينا أن نستمد احكامنا المتعلقة بالعقاب والقصاص من التشريع الالهي، ولكن وفقا لقراءة تقية لهذا التشريع، لا نصيب فيها للهوى والتحيز والحقد والكراهية، أوتجاهل ظروف المرتكبين والدوافع التي تقف وراء أفعالهم، وهو ما يفعله القضاء الحديث في الدول المتقدمة من حيث التأني والبحث المستفيض واتاحة مساحة واسعة للدفاع الذي يؤازر المتهم في محنته، ويتقصي الظروف المخففة للأحكام الى ابعد مدى سائغ.

وبطبيعة الحال فإن تلك الفتاوى الهابطة والخاطئة التي بررت الحرب على الجنوب أولا وسوغت قتل أهله، ثم الحرب على صعدة تاليا لا علاقة لها بالتقوى وعدم اتباع الهوى، بل كانت مجرد صورة أخرى من صور تحريف الكلم عن مواضعه لتبرير أحط الارتكابات والموبقات نصرة لسلطة ظالمة غاشمة، (يشرون بعهد الله وآياته ثمنا قليلا).

رفض غاندي العنف على اسس أخلاقية . ذلك أن الالتزام الاخلاقي يتضمن قيام المرء بعمل يعتقد صحته لانه يرى انه حق، ويتطلب ذلك تطابقا بين العقيدة والسلوك. واذا كان استعمال العنف لم يغير فهم الخصم لما هوحق فانه لن يفعل شيئا غير اجباره على اتباع سبيل التقية او النفاق بطريقة تخالف الفطرة الفردية الخاصة بكل انسان (سوابهافا)، وتخالف المعتقدات التي يتمسك بها باخلاص، الامر الذي ينتهك نزاهته الاخلاقية، أي أنه يجعله مصابا بالحالة التي يسميها الفلاسفة "الضمير الشقي".

وهذا بالضبط ما حدث لمواطنينا في المحافظات الجنوبية والشرقية من الموظفين مع الدولة، أو أولئك الذين لهم مصالح يرتبط إنجازها بالدولة وبرضاها بشكل أو آخر، في دولة تتجاوز القانون وتنتهك حقوق مواطنيها دون أن يرف لها جفن في غياب الضمانات التي يوفرها قضاء مستقل لا وجود له في بلادنا.

وبالاضافة الى ذلك يقدم غاندي حجة مفادها أن العنف نادرا ما حقق نتائج لها صفة الدوام. ويعتبر الناس نتائج استعمال العنف ويحكمون بنجاحة عندما يحقق الاهداف الآنية لمن يستعمله. مع ان الاصوب الحكم عليه من خلال نتائجه البعيدة المدى، وهو ما يؤدي الى اختلاف جذري في الحكم.

 لقد أدى كل نجاح ظاهري لاستخدام العنف الى تشجيع الاعتقاد بأن العنف هو الوسيلة الوحيدة الفعالة للوصول الى الاهداف المرغوبة، وهو ما أدى الى اكتساب عادة استخدام العنف ضد اي معارضة. وبذلك اعتادت المجتمعات على اللجوء اليه وامتنعت عن استكشاف الوسائل البديلة، بل ودرجت على التفكير بأنها ليست مضطرة الى مجرد محاولة البحث عن بديل للعنف لحل النزاعات. مع ان استخدام العنف غالبا ما يخلق دوامة متصاعدة من العنف والعنف المضاد.

وعندما نتأمل اليوم في حرب 1994 التي شنها الرئيس على الجنوب ندرك الى اي حد كان غاندي حكيما فيما قاله. ولاشك اليوم ان تلك الحرب النزقة الظالمة تقف وراء الوضع الحالي في بلادنا وأن نجاحها الظاهري آنذاك لم يكن الا وهما وسرابا خادعا.

ويرى غاندي أن ثنائية الوسائل ـ الغاية التي تكمن في قلب معظم نظريات العنف خاطئة. فالوسائل في حياة البشر لا تتألف من مجرد اجراءات وأجهزة ومعدات لا حياة فيها، بل تتألف من أفعال البشر،  وبالتعريف فان هذه الأفعال لا يمكن اعتبارها خارجة عن نطاق مجال الأخلاق.

وبالاضافة الى ذلك فان الأساليب المتبعة قي سيبل تحقيق الهدف ليست خارجية عن نطاق التقييم الأخلاقي ولكنها على العكس من ذلك مكون من مكوناته الأساسية. وعليه فان كل خطوة في اتجاه تحقيق الغاية المرجوة تطبع الغاية بطابعها ان خيرا اوشرا، وبعبارة أخرى لا يمكن فصل الوسائل عن الغايات، ولذلك ينبغي الحرص على ألا تشوه الوسيلة الغاية او تدمرها. ومن هنا يرى غاندي أن الكفاح في سبيل إقامة مجتمع عادل لا يمكن أن يتم باتباع وسائل غير عادلة.

قوة الروح:

ويخلص غا ندي الى أنه طالما كانت وسيلتا العقلانية والحوار من جهة واستخدام العنف من جهة أخرى غير كافية ويشوبها البطلان بعمق فإننا نحتاج إلى وسيلة جديدة. وهذه الوسيلة توقظ الروح وتفعلها، وتحشد طاقتها الكامنة، ومن ثم تولد نوعا جديدا من القوة الروحية التي لم تأخد المكانة التي تستحقها في عالم السياسة.

وينبغي لهذا الأسلوب الجديد أن يهدف الى ايقاظ وفتح عقل الخصم وقلبه بحيث يمكن للحوار العقلاني أن يجري في مناخ من حسن النية والتأمل النقدي للذات. وقد فكر غاندي بأن أسلوبه الخاص باللاعنف (ساتياجراها) كفيل بتحقيق ذلك.

ويقوم مفهومه الخاص باللاعنف على الإصرار والصلابة في السعي نحو الحقيقة، بحيث يتم اختراق حواجز التحيز، وسوء النية، والإصرارعلى الافكار الثابتة (الدوغما) والتي تتردد عندنا تحت اسم الثوابت، والقول بان ذواتنا لا يأتيها الباطل، والأنانية، ومن ثم الوصول الى روح الخصم وايقاظها.

فمهما بلغ سوء الشخص ودوغمائيته فإن لديه روحا ومن ثم يمتلك القدرة على الشعور بالبشر الآخرين والاعتراف بالطبيعة الانسانية التي يشترك فيها معهم. ولذلك فانه يمكن القول بأن  الساتياجراها عبارة عن جراحة روحية وطريقة لايقاظ القوى الروحية.

 وقد اعتبر غاندي "المعاناة المحبة" أفضل طريقة لتحقيقها، وهذه المعاناة المحبة شكلت أساس طريقته الملهمة الجديدة. وقد شرحها بقوله: "لقد توصلت الى خلاصة أساسية هي أن الانسان اذا أراد تحقيق مايرى أنه في غاية الاهمية فان عليه الا يكتفي باقناع العقول وحدها فحسب بل ان عليه تحريك القلوب أيضا. ان مناشدة العقل موجهة الى الرأس أما تحريك القلب فيتم عن طريق المعاناة. إنها تفتح التفهم العميق في الانسان. فالمعاناة هي الخصيصة المميزة للجنس البشري وليس السيف."

وفي هذه الجزئية أرى شبها واضحا بين أسلوب ثورة الشباب السلمية العربية واليمنية من حيث تقبلها للمعاناة التي يمكن تشبيهها بفكرة غاندي عن "المعاناة المحبة". ان الرئيس في بلداننا هم انصاره فمنهم يستمد قوته.

ولئن لم تفلح معاناة الثوار في فتح قلوب الرؤساء فقد أفلحت في فتح قلوب أنصارهم المحليين والأجانب فساندوا قضية الثوار في ضرورة رحيلهم عن الحكم.

وقد كانت معاناة القتل الاعمى في تونس وغزوة الجمل في مصر ويوم الثامن عشر من مارس الرهيب في اليمن من اهم اسباب اتساع الثورات وعلو شأنها في بلدانها من خلال كسبها الواسع للانصار اثر تلك الاحداث خصما من رصيد الرؤساء. وقدأدى القمع الهمجي الفاضح في ليبيا الى استعداء النظام للعالم كله ودفعه الى مؤازرة الثوار في ليبيا بكل وسيلة ممكنة.

عندما يواجه الثائر السلمي (الساتياجراهي) الظلم فانه يسعى الى الحوار مع خصمه. وهو لايقوم بمواجهة خصمه بترديد دوغمائي مصرعلى عدالة مطالبه، لانه يدرك أنه قديكون متحيزا ومنحازا، ويدعو خصمه الى التعاون في البحث عن حقيقة الصدق في الأمر موضوع النزاع. ويقول غاندي في ذلك:"انني أساسا رجل تسويات لانني لست متأكدا أبدا من أنني على حق".

وعندما يواجه الثائر السلمي برفض الخصم للحوار أو عندما يبدأ حوارا يتحول الى مجردممارسة فارغة للعلاقات العامة فان الثائر السياجراهاتي يشرع في اتخاذ مواقف مبدئية أساسها العصيان المدني.

 ومن ثم يشرع في تحمل المعاناة نتيجة اعمال العنف التي يستخدمها الخصم ضده لأنه يرى فيه عدوا ومشاغبا. ويرفض مقابلة العنف بالعنف لانه ينظر الى خصمه باعتباره اخا في الانسانية تعاني انسانيته من كسوف مؤقت ويرى أن من واجبه ايقاظها واستعادتها.

وبمجرد ان يظهر خصمه استعدادا للحوار بروح حقيقية من حسن النية فانه يعلق الاحتجاجات ويمنح العقل والمنطق فرصة للعمل في جو اكثر انفتاحا.

وهنا لا بد من القول أن خطوات اللقاء المشترك الحوارية كانت ساتياجراهية بامتياز، الا انني أعيب عليه كالكثيرين تثاقله وابطاءه الذي طال اكثر مما يجب بكثير في استخلاص عدم جدية السلطة في الحوار الى ان اخذ الشباب في تونس زمام المبادرة.

واكثر من ذلك علق اللقاء المشترك حواراته عبر لجان الحوار الوطني التي كان ينبغي ان يوجهها بعمق واتساع وتسارع نحو انصار الرئيس المتبقين، بدلا من حالة التخندق التي يمارسها مع شباب الثوره، فيكون عاملا فعالا ومساعدا في نجاح ثورتهم بدلا من منافستهم بشراسة على منصات ومكرفونات الساحات ولجانها الامنية.

إضافة تعليق || طبـاعة || إرسـال || عدد القراءات : 1971
شارك
Share |
اضف تعليقك على الفيس بوك
التعليقات

سياسية الخصوصية || القائمةالبريدية || خريطة الموقع || خدمة RSS
جميع الحقوق محفوظة لـ © اخبار السعيدة - 2008 -- برمجة وتصميم كليفر ديزاين

Total time: 0.0081